الحكيم الترمذي

96

غور الأمور

فهو نور هذه الشواهد والعلائم الذي معه يدل على اللّه ويشير إليه ، ويؤدى عنه بالصفات الذات ، والأسماء الدالات ، وإنما صارا بهى الأنوار الظاهر ، وهذا نور الباطن ، فبنور الظاهر ترى الظاهر ، وبنور الباطن ترى الباطن « 1 » لو أنك أردت أن تنظر إلى ما غالب عنك بنور بصرك لم يطق ذلك أبدا ، ولكنه أحرى أن بنور الباطن ترى الظاهر والباطن كلاهما ، وبنور الظاهر لا يطق الرؤية إلا للظاهر . فجميع الأنوار التي ذكرنا بدت من ملكه وقدرته ، والنور الأشرف هو نور المعرفة ، إنما بدا من الوحدانية ، فتلك دالة على الملك والملكوت ، لأنها بدت منها ، ومن نورانيته خرجت هذه الأنوار كلها ، فوصف نورانيته الذي بدا من الملك لأهل السماوات وأهل الأرض . ثم عطف على النور الأبهى والأشرف ، وهو نور المعرفة الذي بدا من الوحدانية ، فذكره وضرب له مثلا ليفهمه خلقه ، وليعرفوا كرامته التي أكرمهم اللّه بها من بين خلقه وليشكروه على صنعه بهم ، ونظره لهم وعطفه عليهم في سابق علمه بهم ، حيث لا أرض ، ولا سماء ، ولا عرض ، ولا كرسي ، ولا قدر ،

--> ( 1 ) الأنوار التي يمكن استنباطها من قوله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ توسع فيها الشيخ رحمه اللّه على عادته في هذه المخطوطة ، واستطرد رحمه اللّه في بيان النور الظاهر ، والنور الباطن وهذا علم يناسب خصوص الخصوص من الناس . وإذا تناولنا ظاهر الآية الكريمة ، محاولين فهم كلمة ( نور ) لوجندنا ابن عباس رضى اللّه عنه يفسرها : بما في السماوات والأرض ، ومدبر الأمر فيهما ، ويفسرها أبي بن كعب رضى اللّه عنه بأن النور هو المؤمن الذي جعل اللّه الإيمان والقرآن في صدره . وبعامة فبنوره سبحانه أضاءت السماوات والأرض وكان من مناجاته صلى اللّه عليه وسلم كما ورد في الصحيحين عن ابن عباس ( اللهم لك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن ) . وكذا كان من دعائه يوم آذاه أهل الطائف ( أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والأخرة . . الحديث ) .